فوزي آل سيف
87
فقه العلاقات الاجتماعية
"والأظهر أنه متى احتمل انزجارها بالوعظ لا ينتقل إلى الهجر ، وإن لم يجوزه جاز الهجر ، ولا يجوز الضرب إلا مع العلم أنها لا تنزجر بهما ، ومعه يجوز الضرب ولو في الابتداء كمراتب النهي ، وذلك حيث تتحقق المعصية ، وبدونه يقتصر على الموعظة "[257]. وفي مرحلة الضرب يراعى فيه أن يكون ناشئا عن التأديب لا الغضب والانتقام ، وأن لا يكون بخشب أو آلة خشنة ، وأن لا يكون مبرحا ، ولا جارحا ، ولا مخلفا أثرا في الجلد ، وإلا كان عليه الضمان ، بل لقد قيده بعض الفقهاء بأن يكون بمثل عود السواك ، أو قماش ملفوف ! بين نشوز الزوجة ونشوز الزوج : مثلما أن نشوز الزوجة محتمل الحدوث ، فكذلك نشوز الزوج ، وفي هذه الحالة تحدثت آيات القرآن عن قضية الصلح ، ( وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلا جُنَاحَ عَلَيهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ) وهنا كأن الآية المباركة تريد أن تحافظ على بقاء الحالة الزوجية ، لكيلا تكون المرأة مطلقة ، ولا ريب أنها في هذه النتيجة الأكثر خسارة ، فإنها بعد عشرة فترة طويلة من الزمن ، لو طلقت تكون قد فقدت شبابها وجمالها ـ غالباً ـ وبالتالي فلا تستطيع أن تطمع ـ عادة ـ في بناء حياة زوجية جديدة أو على الأقل تقل فرصها في ذلك ، ويضاف إلى ذلك أن حضانتها لأولادها ورعايتها لهم ، وهو ما يشبع عاطفتها ـ تنتهي في أحسن الفروض ـ على بعض الأقوال ـ بعد سنوات سبع من أعمار أولادها ـ وإن كان القول الأكثر هو على السنتين في الجنسين . فهنا يتحدث القرآن الكريم موجها ( الإثنين ) إلى أن يصلحا بينهما صلحا ، وفي الصلح لابد أن يتنازل أحد الطرفين ـ والغالب أن يكون الأكثر تضررا ـ عن بعض ما له من حقوق لكي يصون بقية الحقوق ، أو يحافظ على أصل الكيان الزوجي . وأما لو كانت القضية تتجاوز هذا المعنى بحيث كان نشوز الزوج بحد يصل إلى الظلم وعدم المعاشرة بالمعروف ، فإن للمرأة أن ترفع أمرها إلى الحاكم الشرعي ، فيأمره بذلك ويلزمه به , فإن التزم به وإلا فرق بينهما إن كان ذلك هو الأصلح للمرأة[258] .
--> 257 ) مسالك الأفهام - الشهيد الثاني 8 / 360 258 ) مسالك الأفهام - الشهيد الثاني 8 / 364 القسم الثاني من النشوز ، وهو أن يتعدى الزوج ويمنعها بعض حقوقها الواجبة من نفقة وقسمة ، أو يسئ خلقه معها ويؤذيها ويضربها بغير سبب مبيح له ذلك ، فإن نجع فيه وعظها وإلا رفعت أمرها إلى الحاكم . وليس لها هجره ولا ضربه وإن رجي بهما عوده إلى الحق ، لأنهما متوقفان على الإذن الشرعي ، وفي الآيتين ما ينبه على تفويض ذلك إليه لا إليها ، وهو اللائق بمقامه . ثم الحاكم إن عرف الحال باطلاع أو إقرار الزوج أو بشهود مطلعين على حالهما وإلا نصب عليهما ثقة في جوارهما أو غيره يخبره بما يتبين ، فإن ثبت تعدي الزوج نهاه عن فعل ما يحرم وأمره بفعل ما يجب ، فإن عاد إليه عزره بما يراه . ولو امتنع من الإنفاق مع قدرته جاز للحاكم أن ينفق عليها من ماله ولو ببيع شئ من عقاره إذا توقف عليه . ولو كان لا يمنعها شيئاً من حقها ، ولا يؤذيها بضرب ولا كلام ، ولكنه يكره صحبتها لمرض أو كبر ، ولا يدعوها إلى فراشه ، أو يهم بطلاقها ، فلا شئ عليه ، ويحسن أن تسترضيه بترك بعض حقها من القسم والنفقة ، قال الله تعالى : ( وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا ) . وفي منهاج الصالحين 3/107 للسيد السيستاني : إذا نشز الزوج على زوجته بمنعها حقوقها الواجبة عليه فلها المطالبة بها ووعظه وتحذيره ، فإن لم ينفع فلها رفع أمرها إلى الحاكم الشرعي وليس لها هجره ولا ضربه والتعدي عليه . * وإذا امتنع الزوج عن بذل نفقة زوجته المستحقة لها مع مطالبتها جاز لها أن تأخذها من ماله بدون إذنه ، ويجوز لها رفع أمرها إلى الحاكم الشرعي لاجباره على الإنفاق ، فإن لم يتيسر هذا ولا ذاك واضطرت إلى اتخاذ وسيلة لتحصيل معاشها لم يجب عليها إطاعته حال اشتغالها بتلك الوسيلة . *وإذا امتنع الزوج عن الإنفاق مع قدرته عليه فرفعت الزوجة أمرها إلى الحاكم الشرعي ، أبلغه الحاكم بلزوم أحد الأمرين عليه : إما الإنفاق أو الطلاق ، فإن امتنع عن الأمرين ، ولم يمكن الإنفاق عليها من ماله - ولو ببيع عقاره إذا توقف عليه - ولا اجباره على الطلاق جاز للحاكم أن يطلقها بطلبها ، وإذا كان الزوج غير قادر على الإنفاق على زوجته وجب عليه طلاقها إذا لم ترض بالصبر معه ، فإذا لم يفعل جاز لها أن ترفع أمرها إلى الحاكم الشرعي فيأمر الزوج بالطلاق ، فإن امتنع وتعذر اجباره عليه طلقها الحاكم ، ويقع الطلاق بائنا في الصورتين ، ولا فرق فيما ذكر بين الحاضر والغائب .